صديق الحسيني القنوجي البخاري
88
فتح البيان في مقاصد القرآن
يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر ، وقال بعضهم : حمل هذه الآية على الهجرة مشكل ، لأن هذه السورة نزلت بعد الفتح وهي آخر القرآن نزولا ، والأقرب أن يقال إن اللّه تعالى لما أمر بالتبرىء عن المشركين قالوا : كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه وأخاه وابنه ، فذكر اللّه تعالى إن مقاطعة الرجل أهله وأقاربه في الدين واجبة فالمؤمن لا يوالي الكافر وإن كان أباه أو خاه أو ابنه . وقال مجاهد : هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة ، وقال ابن عباس : لما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة فمنهم من تعلق به أهله وأولاده يقولون نشدك باللّه أن لا تضيعنا فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقال مقاتل : نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهى اللّه المؤمنين عن موالاتهم ، وأنزل هذه الآية ، والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب . إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ أي أحبوا كما يقال استجاب بمعنى أجاب ، وهو في الأصل طلب المحبة أي إن اختاروا الكفر وأقاموا عليه عَلَى الْإِيمانِ وتركوه وقد تقدم تحقيق المقام في سورة المائدة ، ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان من الآباء والإخوان بالظلم فقال : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فيه مراعاة لفظ من مِنْكُمْ فَأُولئِكَ فيه مراعاة معناها هُمُ الظَّالِمُونَ فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك واختيار المقام معه على الهجرة والجهاد من أعظم الذنوب وأشدها . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 24 ] قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 24 ) ثم أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم قائلا له : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ . العشيرة الجماعة المجتمعة التي ترجع إلى نسب وعقد واحد أو ود كعقد العشرة وعشيرة الرجل أهله وقرابته الأدنون وهم الذين يعاشرونه ويتكثر بهم سواء بلغوا العشرة أم فوقها وهي اسم جمع ، وقرأ السلمي وأبو رجاء عشيراتكم بالجمع ووجهه إن لكل من المخاطبين عشيرة فحسن الجمع قال الأخفش : لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر ، وهذه القراءة حجة عليه .